محمد أبو زهرة

389

المعجزة الكبرى القرآن

أحوال نفسية ينبه القرآن إليها ، وكان تأويل الرؤيا ، والتنظيم الاقتصادي الذي استلهمه يوسف الصديق من الرؤيا ، ولنذكر الأمر كما جاء في القرآن : وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ( 45 ) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ( 46 ) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ( 47 ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ( 48 ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ( 49 ) [ يوسف : 45 - 49 ] . كان ذلك التأويل الصادق مصحوبا ببيان الترتيب الاقتصادي سببا في أن الملك رغب في الاستعانة به ، قال ائتوني به ، فامتنع السجين الأبى عن الذهاب حتى تثبت براءته : فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ فعرف الملك حالهن ، فسألهن : ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ( 51 ) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ( 52 ) وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 53 ) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ( 54 ) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ( 55 ) [ يوسف : 51 - 55 ] . 241 - هذه وقائع وقعت من وقت أن دخل يوسف السجن إلى أن خرج منه مستوليا على خزائن يديرها بحكمته ، ويسير نظامه بإرادته ، وتعلمه من ربه ، وهو نبي يوحى إليه ، وكل واقعة من هذه فيها تنبيه إلى ناحية من نفس الإنسان ، وارتباطه بالمجتمع الذي يعيش فيه ، فدخوله السجن لكمال خلقه ، وكمال جسمه وما كان حوله ، وما يفعله الحكام ليدرءوا عن سمعتهم ، ما ينالها من سوء صادق ، ويكشف فيه عن نفس المرأة ، وسيطرة العاطفة عليها ، وكيف دفعتها عاطفتها في موقفها الأول من مراودته ، ثم ما كان من إصرارها بعد أن أخذت المعذرة المسوغة من النسوة ، ثم ما كان من عاطفة المحبة التي انتقلت من مراودة إلى اعتراف ، وإلى استغفار . وفي الحقيقة أن الدارس الذي يريد معرفة أطوار النفوس ، وما يعروها سواء أكانت نفوس رجال أم نفوس نساء يجد في القرآن معينا لا ينضب من الحقائق النفسية التي تكون محور دراسته . ولكنا لا نريد أن يطبقوا ما يعلمون من علم النفس على القرآن ويحملوا ألفاظه ما لا تحتمل ، ولكن أن يجعلوه مرشدا يحكم على عملهم ، لا أن يكون عملهم الحكم عليه ، واللّه سبحانه وتعالى هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل .